جلال الدين السيوطي

31

الإتقان في علوم القرآن

الثالث : إطلاق اسم الكل على الجزء ، نحو : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [ البقرة : 19 ] أي : أناملهم . ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار ، فكأنّهم جعلوا الأصابع . وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [ المنافقون : 4 ] أي : وجوههم ؛ لأنّه لم ير جملتهم . فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] أطلق الشهر وهو اسم لثلاثين ليلة ، وأراد جزءا منه . كذا أجاب به الإمام فخر الدين « 1 » عن استشكال : أنّ الجزاء إنما يكون بعد تمام الشرط ، والشّرط أن يشهد الشهر ، وهو اسم لكلّه حقيقة ؛ فكأنّه أمر بالصوم بعد مضيّ الشهر ؛ وليس كذلك . وقد فسّره عليّ وابن عباس وابن عمر على أن المعنى : من شهد أول الشهر فليصم جميعه ؛ وإن سافر في أثنائه . أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم « 2 » وغيرهما ، وهو أيضا من هذا النوع ، ويصلح أن يكون من نوع الحذف . الرابع : عكسه ، نحو : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] أي : ذاته . فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 144 ] أي ذواتكم ، إذ الاستقبال يجب بالصدر . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) [ الغاشية : 8 ] . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) [ الغاشية : 2 ، 3 ] عبّر بالوجه عن جميع الأجساد ، لأنّ التنعّم والنّصب حاصل بكلها . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [ الحج : 10 ] . فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] أي : قدّمت وكسبتم ، ونسب ذلك إلى الأيدي لأنّ أكثر الأعمال تزاول بها . قُمِ اللَّيْلَ [ المزمل : 2 ] . وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [ الإسراء : 78 ] . وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [ البقرة : 43 ] . وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ [ الإنسان : 26 ] أطلق كلّا من القيام والقراءة والركوع والسجود على الصّلاة وهو بعضها . هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة : 95 ] أي : الحرم كله ، بدليل أنه لا يذبح فيها . تنبيه : ألحق بهذين النوعين شيئان : أحدهما : وصف البعض بصفة الكل ، كقوله : ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) [ العلق : 16 ] فالخطأ صفة الكلّ ، وصف به الناصية . وعكسه كقوله : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [ الحجر : 52 ] والوجل : صفة القلب . وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [ الكهف : 18 ] والرّعب إنّما يكون في القلب .

--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 263 . ( 2 ) انظر تفسير ابن كثير 1 / 216 ، وتفسير البغوي 1 / 152 - 154 .